من الهدر والانهيار إلى العصبية القبلية كفرصة

ن-الهدر-والانهيار-إلى-العصبية-القبلية-كفرصة

بقلم : أحلام الكثيري

  ٢٥ يونيو ٢٠٢٦

ذكر ابن خلدون في كتابه “المقدمة”، نظرية ” أن الدول تمر بخمس مراحل، تنتقل فيها المجتمعات الإنسانية من مرحلة الإنهيار إلى مرحلة النهوض”، مسلطًا فيها مفهوم “العصبية القبلية” والتي فسرها باللحمة المجتمعية المبنية على القانون والعرف والتي تحمل رسالة وطنية كمحرك أساسي للتماسك والنهوض، في جميع الحضارات والامبراطوريات القديمة والدول الحديثة. 

وبناءً على نظرية ابن خلدون سأحاول إسقاطها على ملف اليمن، من حيث تركيبة المجتمع المختلفة والمعقدة من الناحية الديمغرافية والجيوسياسية، على الرغم من أن تركيبة المجتمع الأصلية ككل تركيبة قبلية طبيعية موزعة ما بين المدن والصحراء والسواحل والقرى الجبلية، فكيف يمكن إسقاط نظرية “العصبية القبلية” لتقليص مدة إنهيار الدولة والانتقال إلى دورة جديدة من “الظهور والغلبة” عبر المراحل الخمسة ولكن بشكل عكسي، بدءً من قاعدة الإنهيار إلى قاعدة الإستقرار، إي بالمرحلة الحالية لليمن: مرحلة “الهدر والانهيار” إنهيار وفشل الدولة والتي تعاني من (الديون، الفساد، الاعتماد على المانحين، النظام المركزي السلطوي) بانقسام الحكومة المركزية ما بين حكومة صنعاء وحكومة عدن ، أي أن اليمن يعيش في المرحلة الخامسة (الهدر والانهيار)، في هذه المرحلة تلجأ الدولة عبر الحكومة المركزية إلى التخلي عن مستقبل الدولة لتمويل وتغذية الحاضر، بحيث أصبح الانقسام الداخلي في أعلى مستوياته، نظًرا لسوء إدارة الثروات والموارد المالية، وفراغ الخزينة “البنك المركزى”، ويصف إبن خلدون هذه المرحلة “بمرحلة الجباية وقلة الإنتاج” والتى قد تؤدي إلى اختيار أحد الخيارين، إما  أن تفرض فيها الدولة رفع الضرائب على السلع المستوردة، وتسعيرة الدولار، وإما أن تغضب الشعب، وتقلص الخدمات، لكن المفارقة هنا أن الدولة جمعت ما بين الخيارين، دون إدراكها للمسببات الحقيقية وإيجاد الحلول لها، وذلك لأن نظام الحكم السياسي في اليمن لا زال عالقًًا في دائرة المرحلة الرابعة “مرحلة الرضا والتقليد”: والتي تبدو فيها الدولة قائمة لكنها مُتأكلة  وهشة من الداخل، فبدلًا من إرضاء الشعب وإيجاد الحلول وتحسين الخدمات وإدارة الجيش والأمن وتحسين البنية التحتية ، ظلت الحكومة الشرعية ” حكومة عدن” من الخارج ، وحكومة صنعاء من الداخل لمدة عقد من الزمان تفرغ الخزينة على المظاهر الشكلية بتقاسم المناصب والمحاصصة الحزبية والمركزية، والاحتفال بالأعياد الثورية الوطنية، واستقبال الوفود وارتفاع الرواتب ورواتب الإعاشة،كمظاهر عززت بذخ الحكومتين المركزيتين، والتي جمعت ما بين المرحلة الخامسة والمرحلة الرابعة والمرحلة الثانية “مرحلة تركيز السلطة المركزية” بمعزل عن التأسيس الفعلي للدولة وتثبيتها أولاً، بحيث منعت الشراكة المجتمعية والمؤسسية، وعززت المحاصصة الحزبية والنزاع على السلطة، وظهر ذلك جليًا في مناطق سيطرة الحوثي ، وأيضا عند تأسيس”مجلس القيادة الرئاسي” في السابع من أبريل 2022، ومنه بدأ تهميش دور القبيلة كتركيبة قوى مجتمعية صلبة أصلية، تُحدث التوازن ما بين التنوع المجتمعي والسلطة، لكن الحكومة المركزية بقيادة المجلس الرئاسي، وحكومة صنعاء بقيادة عبدالملك الحوثي، اعتمدت على ثلاثة أدوات: المال لشراء الولاءات لا الكفاءات، والمناصب لخلق رتب عسكرية وسياسية وقبلية تخشى على مكانتها، واستبدال القيادات العسكرية والوطنية بـجيش مأجور” ميليشية” يقاتل من أجل المال لا من أجل الأرض والإنسان والوطن الواحد. 

وعلى الرغم من معاونة الدول المانحة لدعم الحكومة والاقتصاد اليمني ورفد البنك المركزي بالمليارات على مدى عقد من الزمان، لتحقيق  نوع من الاستقرار الأمني والغذائي والمجتمعي ودعم الحوار بين المركزين، إلا أن نظام الحكم في اليمن منذ سبعة عقود قائم على نظام مركزي بابوي، قلص من دور الدول المانحة الفعلي لإعادة إعمار اليمن، ودعم الاستقرار الأمني وضمان وحدة الأراضي في اليمن، فحسب نظرية ابن خلدون إذا وجدت الثروة أو المنح  ولم توجد القيادة الوطنية الفاعلة، فإن الإستقرار قد يساهم في “إطالة لأمد الاحتضار” وليس إيجاد العلاج الأمثل لها، لأنه يُبقي على الحكم المركزي “الرتب القديمة” والبيروقراطية التي تستهلك الموارد دون إنتاج مؤسسي خدمي أمني فاعل. 

فكيف يمكن أن تنتقل اليمن من المرحلة الخامسة إلى المرحلة الأولى ” مرحلة الظهور والغلبة”: والتي تبدأ بظهور جماعة متماسكة تمتلك شعوراً مشتركاً بالظلم والرغبة في انتشال الوطن من الإنهيار إلى التماسك، وحسب نظرية ابن خلدون أن هذه المرحلة  تكون العصبية القبلية (التماسك الداخلي) في أعلى مستوياتها لأن الخطر والهدف مشترك بن تركيبة مجتمع قبلي متنوع، وحكومة مركزية ، بحيث تخرج هذه الجماعات من هامش المجتمع أو الأطراف لتسيطر على المراكز ،” وتوحيدها في حكومة واحدة لا تنازع حكومتين “صنعاءو عدن”، ولكن لابد من إحداث الصدمة الداخلية متجاوزةً الصدمة الخارجية ” الصراع الجيوسياسي الدولي والإقليمي” للعبور نحو مرحلة الظهور والغلبة (المرحلة الأولى)، مع مراعاة أن انهيار “عصبية القهر”: النظام الهش الذي استمر 70 عاماً يهشم المجتمع والدولة، لن يحدث إلا عندما تدرك المكونات القبلية”العصبة” أن المركز لم يعد قادراً على الحماية أو العطاء، بحيث ( تتحول مركزية “القبيلة” إلى “الرسالة”، يذكر ابن خلدون أن التماسك القبلي وحده لا يبني دولة مستقرة، بل يحتاج إلى “رسالة” أو “قضية” (بعد روحي أو إنساني وطني) والتي تمنح الضمان للعصبية الطبيعية “عصبية اختيار وإرادة ” قوية تصمد في اللحظات الصعبة، ويرى ابن خلدون أن التجديد والصدمة لا تأتي من العواصم المشبعة بالترف والفساد”القيادات والحكومة المركزية الحزبية، بل من الهوامش “القبائل في الأطراف الجغرافية والسياسية، فهي التي تمتلك “جوع البدايات” والقدرة على التضحية، وهي المؤهلة لقيادة الصدمة الداخلية، والتي تساهم  في تقليص مدة انهيار الدولة لا حسمه بشكل نهائي، لشدة تعقيد العقدة المجتمعية وعقدة الحكم السياسي المركزي، وذلك بتطبيق عدة إجراءات مرحلية :- 

أولاً: يتم استبدال “الجندي المأجور” بـ “المقاتل المؤمن بالوطن” فالصدمة تتطلب التخلي عن الجيوش والولاءات القائمة على الرواتب (التي ترهق الخزينة) والاعتماد على عصبية قبلية تؤمن بقضية وجودية، وهذا يقلل الاعتماد على المنح الخارجية والديون.

ثانيًا:  ضخ الكفاءات المجددة”: بدلاً من محاولة إصلاح النخب القديمة التي أدمنت “الريع البيروقراطي”، أي دمج قوى اجتماعية وقبلية شابة لم تشارك في الحكم الأبوي السابق.

ثالثًا: استثمار “الصدمة الخارجية” كفرصة توحيد: بدلاً من النظر للتدخلات الدولية كقدر محتوم، يمكن للعصبية القبلية والنخب الشابة الغير متحزبة، توظيف “الخطر الخارجي” كعامل محفز لتوحيد الجبهة الداخلية المفتتة، وهو ما يسميه ابن خلدون “تجديد الوحدة أمام العدو المشترك”.

وعلى الرغم من أن الصدمة الداخلية لها مخاطر إلا أنها فرصة ملزمة وإن كان لها تكلفة باهظة في حال قامت على الشعور بالقهر والذل والإهانة وحدها بمعزل عن الإرادة المجتمعية والتكاثف الإنساني وحب الأرض كوطن، لا ثروة وملكية خاصة لفئات معينة وذلك؛ لتُصدر “القائد الموحِّد”، والعصبية القبلية هي أطراف خط الدفاع، واستثمار الدولة لدور قوة القبيلة لبناء نظام حكم يقوم على أهداف مشتركة يشعر فيها كل فرد في المجتمع المتنوع ديمغرافيًا وسياسيًا أهمية أن يحمي الشريك الآخر.

ختامًا كيف يمكن للحكومة المركزية في عدن والمملكة العربية السعودية كأكبر مانح إقليمي داعم للاستقرار الأمني لليمن ووحدة أراضيه، والشريك الاستراتيجي للأمن القومي، بتحويل”دعوة النفير العام للقبائل في اليمن وحضرموت التاريخية والجزيرة العربية “والتي وجهها الشيخ “بن فدغم” بعد الشعور بالقهر الممارس عليه وعلى المجتمع وعلى اللاجئة السياسية ” ميرا صدام حسين”، في صنعاء واستثمارها كفرصة تنطلق من الأطراف “العصبية القبلية”، تحمل مشروعاً وطنياً يتجاوز المصالح الضيقة والفخ المذهبي والسياسي، وتقبل كلفة “البدايات الشاقة” لكسر حلقات الانهيار المستمر، حلقة حلقة، برقابة مشتركة سعودية عمانية يمنية، وحتى لا يتم استغلالها كصراع مذهبي عقائدي من قبل أطراف داخلية مذهبية و أطراف خارجية دولية و إقليمية، لها مصالحها في إبقاء اليمن في حالة صراع سياسي وانفلات أمني داخلي، ومحاولة فرط سلسلة العقد المجتمعي القبلي المتماسك، بدءً من جنوب شبه الجزيرة العربية إلى أقصى شبه الجزيرة العربية .  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *