بقلم د. صباح عبدالله الكثيري
٢١ ديسمبر ٢٠٢٥
مقال عبد الرحمن الراشد يبني حجّته على فكرة بسيطة لكن شديدة القسوة: الانفصال ليس إعلانًا عاطفيًا ولا استعراضًا عسكريًا؛ هو “عملية اعتراف” طويلة تُحسم داخل توازنات الشرعية الإقليمية والدولية قبل أن تُحسم على الأرض.
ومن هنا جاءت عبارته عن أن ما فعله «الانتقالي» لم يفتح طريق الدولة، بل فتح “عشّ الانفصاليين” بمعنى: أطلق ديناميات تفكك جنوبية مضادّة، ووسّع دائرة الشكوك حول المشروع بدل تضييقها. الراشد يبدأ من الجغرافيا لا من الشعارات: التأثير الدائم في اليمن مرتبط بالجار الحدودي الأكبر (السعودية)، ثم عُمان بحكم حدودها مع الشرق الجنوبي. هذه ليست “تفضيلات” بل منطق نفوذ مستدام: حدود، أمن، حركة بشر، اقتصاد، وملف تهديدات عابرة للحدود. في هذا الإطار، يقرر أن أي مشروع سياسي جنوبي—كي يتحول من “فكرة” إلى “دولة”—يحتاج شرطين: قبول يمني داخلي مُقنع وتأييد سعودي. وهنا نقطة القوة في التحليل: هو لا يناقش “حق” الانفصال بوصفه رغبة، بل يناقشه بوصفه قدرة على اجتياز بوابات الاعتراف. من زاوية القانون الدولي، المسألة تُقرأ عادة عبر ميزان مزدوج: حق تقرير المصير من جهة، ومبدأ وحدة الأراضي/السلامة الإقليمية من جهة أخرى. المنظومة الأممية—خصوصًا في الحالة اليمنية—تميل إلى تثبيت الركن الثاني كقاعدة تشغيلية لإدارة النزاع، عبر قرارات مجلس الأمن التي تؤكد على وحدة اليمن وسلامته الإقليمية ومرجعيات التسوية، وتتعامل مع الشرعية المعترف بها دوليًا كإطار تمثيل. قرار مجلس الأمن 2216 نموذج واضح لهذا الاتجاه. وبالتالي: أي مسار انفصالي لا يمر عبر ترتيبات دستورية/تفاوضية تُنتج “موافقة” داخلية قابلة للتدويل، سيظل في نظر أغلب العواصم الكبرى نزاع سيطرة لا تأسيس دولة—والفرق بينهما هو الفرق بين واقع محلي مؤقت واعتراف دولي مستقر. لهذا يلتقط الراشد تناقضًا مركزيًا في سلوك «الانتقالي»: بدل أن يستثمر موقعه داخل مجلس القيادة الرئاسي كـ“رافعة قانونية” يمكن—نظريًا—أن تُستخدم لتطوير ترتيبات سياسية (حكم، فيدرالية، استفتاء مُتفق عليه، ضمانات)، اختار الاشتباك مع مكونات جنوبية كبرى (حضرموت والمهرة) بما يخلق انطباعًا أن المشروع لا يبني “عقدًا سياسيًا” بل يفرض “تراتبية بالقوة”. وهنا يتقاطع التحليل مع خبرة القانون السياسي: الدولة لا تُعرّف فقط بالسيطرة، بل بشرعية السيطرة؛ وعندما تتحول أدوات الإقناع إلى مدرعات، تصبح الشرعية محل نزاع حتى داخل المعسكر المفترض أنه حاضنة المشروع. الأخطر في وصف الراشد أنه يرى أن التصعيد لا يضر الجنوب وحده، بل يمنح الحوثي مادة خطابية: تصوير «الانتقالي» كتهديد إضافي للاستقرار، وكأنه “مشروع فوضى” موازٍ يسهّل على الخصم الادعاء بأن البديل عن صنعاء ليس دولة بل تفكك.
وهذه ليست مجرد “حرب روايات”، لأن المجتمع الدولي يتعامل مع اليمن بوصفه ملفًا متصلًا بأمن الملاحة والإقليم وتوازنات إيران؛ لذلك أي فعل يوسّع احتمالات الانهيار وتعدد مراكز القوة يُقرأ كتهديد لخطط الاحتواء والتسوية، لا كخطوة تحررية. ومن هنا يدخل عامل “الرباعية” (السعودية، الإمارات، الولايات المتحدة، بريطانيا) بوصفها شبكة ضغط تُعيد باستمرار تذكير الفاعلين أن التسوية يجب أن تكون يمنية-يمنية وتحت رعاية الأمم المتحدة وبالاستناد إلى المرجعيات المتفق عليها وقرارات مجلس الأمن. هذا ليس تفصيلًا بروتوكوليًا؛ هو سقف الشرعية الدولية التي تُوزَّع تحتها المساعدات، والاعترافات، وترتيبات الأمن، وحتى توصيف الأطراف.
بيانات الرباعية على مدى سنوات كرّست هذا المنهج. وعندما نستحضر “مخرجات الحوار الوطني”، فالمغزى ليس تمجيد وثيقة قديمة، بل الإشارة إلى أنها كانت محاولة لصياغة حل دستوري ينقل الصراع من الميدان إلى شكل الدولة: توزيع سلطات، تقاسم ثروة، صلاحيات أقاليم، وتمثيل يخفف مركزية القرار. وثيقة مخرجات الحوار الوطني تتضمن تصورًا واضحًا للفيدرالية وتقاسم السلطة والثروة وصلاحيات المستويات الحكومية، بوصفها آلية لبناء دولة قابلة للحياة بدل الاحتراب على المركز. بمنطق الراشد: إذا كان الانفصال “مشروع دولة”، فحتى من داخل الجنوب نفسه ستُطرح أسئلة الحكم والضمانات: من يحكم؟ كيف تُدار الثروة؟ ما شكل العلاقة مع الشمال؟ ما حدود القوة المسلحة؟ وكيف تُطمأن دول الجوار؟ هذه الأسئلة هي التي تفتح باب الاعتراف، وهي أيضًا التي تفسر لماذا يربط الراشد نجاح المشروع بالتوافق لا بالمدرعات. ثم تأتي طبقة أعمق في مقاله: هو يلمّح إلى أن مشكلة «الانتقالي» ليست فقط في “فكرة الانفصال” بل ربما في “قيادة” تعيد إنتاج الأزمة وتدفع الحلفاء قبل الخصوم إلى مراجعة جدوى المسار، ويستشهد تاريخيًا بحالات إزاحة قيادات عندما أصبحت عائقًا أمام التسوية.

سواء اتفقنا مع هذا الاستنتاج أو لا، فهو يوجه ضوءًا كاشفًا على مسألة لا يحبها الفاعلون المسلحون: المجتمع الدولي يتعامل مع الفصائل بوصفها قابلة للاستبدال إذا عجزت عن التحول إلى شريك سياسي منضبط، لأن معيار الشراكة عند العواصم ليس “الشجاعة الميدانية” بل “قابلية الحوكمة”.
وفي لحظة كهذه—حيث تتحدث تقارير دولية عن دعوات أممية لضبط النفس والعودة للحوار عقب تصعيد مرتبط بتحركات «الانتقالي»—يتضح سبب حساسية أي مغامرة توسّع الاشتعال: الأمم المتحدة تريد تخفيض التصعيد لفتح نافذة تسوية، لا فتح جبهات داخل المعسكر المناهض للحوثي. هذا يعيدنا إلى جوهر مقالة الراشد: من يفتح معارك “داخلية جنوبية” يربك حتى الحلفاء الذين يبحثون عن “شريك دولة” لا “مركز قوة إضافي”. إذا أردنا تلخيص “المنطق العميق” الذي اشتغل عليه الراشد دون الوقوف عند ظاهر العبارة: هو يقول إن الانفصال—إن كان هدفًا—لا يُدار كحملة عسكرية بل كمشروع دستوري-تفاوضي يراعي مرجعيات الأمم المتحدة، ويقدّم ضمانات للجوار، ويتجنب استفزاز المكونات الجنوبية التي سيحتاجها كقاعدة شرعية. من هنا نفهم لماذا اعتبر أن المسار الصحيح عمليًا هو العمل ضمن أطر الشرعية (مجلس القيادة) لا التمرد عليها، لأن الإطار هو الذي يمنح أي تحول—حتى لو كان جذريًا—قابلية “التدويل” حين يحين وقت التسويات الكبرى.


